ابن كثير

325

البداية والنهاية

وبيدمر ومنجك واستدمر في تحصين القلعة وتحصيل العدد والأقوات فيها ، والله غالب على أمره أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة الستائر تعمل فوق الأبرجة ، وصلى الأمير بيدمر صلاة الجمعة تاسع عشر الشهر في الشباك الكمالي ، في مشهد عثمان ، وصلى عند منجك إلى جانبه داخل موضع القضاة ، وليس هناك أحد من الحجبة ولا النقباء ، وليس في البلد أحد من المباشرين بالكلية ، ولا من الجند إلا القليل ، وكلهم قد سافروا إلى ناحية السلطان ، والمباشرون إلى ناحية حماة لتلقي الأمير علي نائب الشام المحروس ، ثم عاد إلى القلعة ولم يحضر الصلاة استدمر ، لأنه قيل كان منقطعا أو قد صلى في القلعة . وفي يوم السبت العشرين من الشهر وصل البريد من جهة السلطان من أبناء الرسول إلى نائب دمشق يستعلم طاعته أو مخالفته ، وبعث عليه فيما اعتمده من استحوذ على القلعة ويخطب فيها ، وادخار الآلات والأطعمات فيها ، وعدم المجانيق والستائر عليها ، وكيف تصرف في الأموال السلطانية تصرف الملك والملوك ، فتنصل ملك الأمراء من ذلك ، وذكر أنه إنما أرصد في القلعة جنادتها وأنه لم يدخلها ، وأن أبوابها مفتوحة ، وهي قلعة السلطان ، وإنما له غريم بينه وبينه الشرع والقضاة الأربعة - يعني بذلك يلبغا - وكتب بالجواب وأرسله صحبة البريدي وهو كتكلدي مملوك بقطبه الدويدار ، وأرسل في صحبته الأمير صارم الدين أحد أمراء العشرات من يوم ذلك . وفي يوم الاثنين الثاني والعشرين من رمضان تصبح أبواب البلد مغلقة إلى قريب الظهر ، وليس ثم مفتوح سوى باب النصر والفرج ، والناس في حصر شديد وانزعاج ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ولكن قد اقترب وصول السلطان والعساكر المنصورة . وفي صبيحة الأربعاء أصبح الحال كما كان وأزيد ، ونزل الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي بقبة يلبغا ، وامتد طلبه من سيف داريا إلى القبة المذكورة في أبهة عظيمة ، وهيئة حسنة ، وتأخر الركاب الشريف بتأخره عن الصميين بعد ، ودخل بيدمر في هذا اليوم إلى القلعة وتحصن بها . وفي يوم الخميس الخامس والعشرين منه استمرت الأبواب كلها مغلقة سوى باب النصر والفرج ، وضاق النطاق وانحصر الناس جدا ، وقطع المصريون نهر بانياس والفرع الداخل إليها وإلى دار السعادة من القنوات ، واحتاجوا لذلك أن يقطعوا القنوات ليسدوا الفرع المذكور ، فانزعج أهل البلد لذلك وملاءوا ما في بيوتهم من برك المدارس ، وبيعت القربة بدرهم ، والحق بنصف ، ثم أرسلت القنوات وقت العصر من يومئذ ولله الحمد والمنة ، فانشرح الناس لذلك ، وأصبح الصباح يوم الجمعة والأبواب مغلقة ولم يفتح باب النصر والفرج إلى بعد طلوع الشمس بزمان ، فأرسل يلبغا من جهته أربعة أمراء وهم الأمير زين الدين زبالة الذي كان نائب القلعة ، والملك صلاح الدين بن كامل ، والشيخ علي الذي كان نائب الرحبة من جهة بيدمر ، وأمير آخر ، فدخلوا البلد وكسروا أقفال أبواب البلد ، وفتحوا الأبواب ، فلما رأى بيدمر ذلك أرسل مفاتيح البلد إليهم انتهى .